القاضي عبد الجبار الهمذاني
225
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإنه يجوز أن / يقال : إنما يعرف تعالى المكلف أنه يموت على كفره إذا كان المعلوم من حاله أنه يستمر على الكفر ، سواء عرف ذلك أو لم يعرف ؛ ولا تزيده المعرفة أمرا لم يكن يحصل عليه ، أو أنه إنما يعرف متى كان المعلوم أنه يطيع في سائر حالاته إلا في هذه الحالة الواحدة ، لأنه لم يثبت خلاف ما ذكرناه في التكليف . وذلك يسقط ما سأل عنه . شبهة أخرى قالوا : وقد ثبت أن إعلام المكلف أنه يبقى لا محالة إلى وقت معلوم يجرى مجرى الإغراء والمفسدة ؛ وقد فعل اللّه جل وعز ذلك بإبليس وغيره ، فكيف يصح مع ذلك القول بوجوب اللطف وقبح المفسدة ؟ واعلم أن الّذي ادّعاه غير مقطوع به عند كثير من أهل العلم لأن قوله تعالى فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ « 1 » ليس فيه بيان ذلك الوقت واليوم ، والأولى أن يراد به الوقت الّذي المعلوم من حاله أنه يموت فيه ؛ وهذا سبيل كل مكلف في أنه منظر إلى وقت معلوم . وليس يجب من حيث قال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أن يكون هو المراد بالوقت المعلوم ؛ بل لا يمتنع أن يكون تعالى بين بذلك أنه غير مجاب إلى ما سأل ؛ بل قد عمّى عليه وعرف أن الأصلح له أن لا يعرف وقت موته . فمن أين أن الأمر كما قاله ؟ وبعد ، فإنا نقول : إن كان ما ذكرته فسادا ، فالواجب أن يقطع أنه تعالى لم يعرف أحدا وقت موته ؛ لأنه الواجب من « 2 » هذه الأمور على ما يقرره العقل . وإن لم يثبت أن ذلك فساد فالجواب تجويز ما سأل عنه .
--> ( 1 ) قرآن : س الحجر 37 . ( 2 ) في الأصل ما .